أهمية ريادة الأعمال في التنمية البشرية

لقد سعت المملكة إلى أن تتبوأ موقعاً متقدماً في مجال رأس المال المعرفي الذي يعكسه التقدم في مؤشرات الاقتصاد المعرفي العالمية، وقد أظهرت المؤشرات التي نشرت خلال عام 2010 أن هناك فجوة تجعل المملكة تقع في المرتبة 68 عالمياً والسادسة عربياً، ويظهر من المعايير الموضحة في الجدول ضرورة الاهتمام بعدد من المؤشرات، مثل براءات الاختراع وزيادة الاستخدام للحاسب الآلي في المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتحسين الأنظمة والإجراءات وجودتها، وغيرها من المؤشرات الضرورية لبناء المكونات الأساسية للمعرفة.تدرك الدول اليوم الأهمية البالغة للمنشآت الناشئة، فهي إحدى الركائز الأساسية للتنمية الاقتصادية، وأحد المنافذ لتوسيع القاعدة الاقتصادية وتنشيط الحركة التجارية، كما أنها أهم المحاضن لتوفير فرص العمل للمواطنين، إضافة إلى كونها تمثل رافداً أساسياً في زيادة الصادرات ونمو الناتج المحلي الإجمالي.


كما أثبتت التجارب دور ريادة الأعمال في تحسين الوضع الاقتصادي للفرد، والتوظيف الذاتي لرواد الأعمال، وزيادة الدخل وبالتالي زيادة النمو الاقتصادي.فالولايات المتحدة اعتمدت خطة قصيرة الأمد في الفترة من 1992 إلى 1998 لحل مشكلة البطالة بالتركيز عل توفير ودعم المشروعات الصغيرة، (الصناعات الصغيرة والمتوسطة)، فكان من نتيجة ذلك توفير أكثر من 15 مليون فرصة عمل في تلك الفترة، مما خفف من حدة البطالة وآثارها السيئة، وأصبحت تلك المشاريع الصغيرة القائمة اليوم تستوعب أكثر من 70 في المائة من قوة العمل الأمريكية.


كما لجأت اليابان والصين وإيطاليا والبرازيل لمعالجة مشكلة البطالة إلى الحلول الابتكارية المعتمدة على ريادة الأعمال.فتوجهت من منذ فترة ليست بالطويلة صوب المشروعات الفردية الصغيرة (1 ــ 5 أفراد) والمتوسطة (5 ـــ 50 فردا)، ذات المنتجات المطلوبة والبسيطة وغير المعقدة تكنولوجيا والتي لا تحتاج لرؤوس أموال كبيرة أو ضخمة ولا تحتاج لنظام إداري ومحاسبي كبير أو معقد، ويمكن تأسيسها برأسمال قليل مثل صناعات الملابس والأثاث والمنتجات الجلدية والسجاد والنجف وقطع الغيار وكاميرات التصوير البسيطة، والنظارات وأدوات التجميل ولعب الأطفال والعمل من المنزل.


وكان ذلك مدعوماً بحزمة من القوانين والحماية والتسهيلات، البنكية والإدارية والضريبية. وجراء ذلك شهد معدل البطالة انخفاضا ملحوظا في تلك الدول. فقد انخفضت البطالة في صفوف القوى العاملة في البرازيل منذ عام 2004، حيث كانت 12.3 في المائة، لتصل إلى 9.3 في المائة في عام 2008، ثم 8.1 في المائة في عام 2010. وفي المقابل فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل في عام 2010م 2.023 مليار دولار أمريكي، ليضع البرازيل في مرتبة تاسع أكبر اقتصاد في العالم، وفي المرتبة الأولى في أمريكا اللاتينية مع متوسط ناتج محلي للفرد يبلغ أكثر من 11220 دولارا في 2010م. وفي إيطاليا انخفضت نسبة البطالة من 11 في المائة عام 1999 إلى 6 في المائة عام 2008. وأصبح في إيطاليا أكثر من مليونين و300 ألف مشروع فردي صغير تلك الفترة.


ويمتد دور ريادة الأعمال ليشمل التصدي لظاهرة الفقر أيضا. فبحسب الإحصاءات المنشورة عن الفقر فقد ارتفع عدد الأسر شديدة الفقر إلى نحو 16 ضعفا خلال نحو عقد من الزمن، فقد كان 7.6 مليون أسرة عام 1997 ليصل إلى 190 مليون أسرة عام 2009.وفي المقابل فقد أوضحت الإحصاءات لعام 2009 أن إقراض الأسر الفقيرة لإنشاء مشاريع متناهية الصغر قد ساهم بأن تحصل 128 مليون أسرة حول العالم على قرض لتبدأ عملا كريما يساعدها على الكسب من جهدها، ويتيح لها خلق وظائف لأفراد الأسرة.


وبحسب إحصاءات حملة القمة الدولية لإقراض المشاريع متناهية الصغر لعام 2011، فإن الحملة أتاحت لنحو 641 مليون فرد في العالم الاستفادة من تخطي خط الفقر. وكانت مجالات الإقراض لرواد الأعمال بسيطة ومركزة على إنشاء المشروعات الصغيرة أو متناهية الصغر، مثل إنشاء محال التجزئة الصغيرة لبيع المواد التمويلية البسيطة، أو بيع الملابس والأجهزة الكهربائية والهواتف النقالة ومستلزماتها، والحرف والمصنوعات اليدوية، والنقل والمواصلات. وصرحت سفيرة الولايات المتحدة في وزارة الخارجية لشؤون المرأة بأن ريادة الأعمال عبر الإقراض متناهي الصغر انتشلت ملايين السيدات من براثن الفقر، وأن أكثر من 81 في المائة من القروض الصغيرة كانت موجهة للنساء.


ومن المعلوم أن مفهوم الاقتصاد المعرفي Knowledge Based Economy، يعتمد إلى حد كبير في إدارة الموارد الاقتصادية وتشغيلها على المعرفة الفنية والإبداع والذكاء والمعلوماتية. إن متطلبات التحول نحو الاقتصاد المعرفي تقتضي تكييف التطور التقني والمعرفي العالمي مع الاحتياجات الوطنية، وتوفير الوظائف المرتبطة بتطبيقات الاقتصاد المعرفي، وإعداد الكوادر الوطنية اللازمة لقيادة هذا التحول في المستقبل، علاوة على ضرورة زيادة القدرة التنافسية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لأهميتها في التحول.


يكتسب تطوير كفاءات الشباب في المملكة أهمية بالغة في ظل التحول إلى الاقتصاد المعرفي وتوفير الوظائف للمواطنين، خصوصاً أن نحو 50 في المائة من المواطنين السعوديين تحت سن الـ 18، كما يبلغ عدد الطلاب والطالبات في جميع مراحل التعليم قرابة خمسة ملايين نسمة.ويعد توفير فرص العمل لهؤلاء السعوديين في المستقبل هدفا استراتيجياً يتطلب إيجاد قوى عاملة عالية الأداء من خلال تنمية المهارات التقنية والاجتماعية لدى الشباب.


كما يتطلب هذا التوجه دراسة الواقع السعودي لتحديد مجال القصور في الوظائف وتحديد نوعية الاختصاصات للمتخرجين الباحثين عن العمل. وكذلك وضع استراتيجية العمل بتأهيل الخريجين والتنسيق مع الوزارات المعنية كوزارة الصناعة لتدريبهم في مجالات اختصاصهم، وإعداد الخطط لاستيعابهم في مؤسسات الدولة وتشجيع وتحفيز الشركات الخاصة لتوظيفهم.

أ.د. أحمد الشميمري أستاذ ريادة الأعمال والتسويق – جامعة الملك سعود –[email protected]