عثمان إبراهيم الخبير الاقتصادى فى السعودية : تركت بلدى بسبب ضعف الفرص نجحت فى قيادة مؤسسة عملاقة

بدأ مشواره بخطوات متأنية وثابتة ، حتى استطاع بعد ٢٠ سنة من عمله فى المملكة العربية السعودية أن يحتل منصب الرئيس التنفيذى لمجموعة من أكبر الشركات الاقتصادية العاملة فى مجالات البترول والطاقة والإنشاءات، على الرغم من المنافسة الشرسة التى يواجهها المصريون من جنسيات أخرى.


يدير عثمان إبراهيم ما يزيد على ٥ آلاف موظف، ويصنف باعتباره خبيرًا فى مجالى إدارة الأعمال والاستثمار، وعلى الرغم من أنه بدأ مغامرًا فى بداية مشواره، إلا أن الكثير يشهد له بأنه ترقى فى عمله دون وساطة، واحتل منصبه بأفكاره المتطورة التى جعلت مجموعة «روابى القابضة» واحدة من أضخم المؤسسات الاقتصادية التى يتجاوز حجم أعمالها المليارات.

وإذا كان المعتاد أن ينبغ المصريون خارج بلادهم فى المجالات العلمية المختلفة ، فإن عثمان إبراهيم قدم نموذجًا للخبير الاستثمارى والإدارى الناجح خارج مصر.. وحول أسباب مغادرة مصر ورحلة الصعود إلى قمة الاقتصاد السعودى دار معه حوار «المصرى اليوم»:


* دعنا نبدأ بالدخول فى القضية الأساسية.. لماذا تركت مصر إلى السعودية؟


للأسف الشديد ، فى الفترة التى قررت فيها المغادرة ، كانت الكفاءات المصرية لا تجد الفرص داخليًا لتحقيق ذاتها، وهناك من يتعايش مع ذلك الوضع ، ومن يرغب فى تغييره ، لذلك تفرقت الكفاءات المصرية ، الكثير منهم موجود فى أوروبا ، وآخرون فى أمريكا ، ومجموعة ثالثة فى دول الخليج..


وينبغى الاعتراف بأن أزمة هجرة العقول لا تعانى منها مصر وحدها ، بل تتكرر فى معظم الدول العربية ، وهى مشكلة حقيقية لا يتنبه إليها الناس ، ولا أبالغ إذا قلت إن خسائرها بمليارات الدولارات ، لأن العقول ثروة لا تقدر بثمن ، والأنظمة الاقتصادية العربية لا تحسن التعامل معهم ، حتى الذين خرجوا ولمعوا فى الدول الأجنبية لم نستطع استقطابهم وإعادتهم مرة أخرى ليضيفوا إلى أوطانهم فى بناء اقتصاداتها والاستفادة من خبراتهم.. وما دفعنى أيضًا إلى مغادرة مصر هو ضعف الاهتمام بالعنصر البشرى خصوصًا ما يتعلق بالتدريب والتعليم.



* تعتقد فى المجمل أنك لم تجد فرصة لإثبات ذاتك وأن الأجواء لم تكن تساعدك على شىء؟


- نعم.. أضف إلى ذلك تطلعى وبحثى عن الأفضل.


* هل نفهم من ذلك أنك لم تكن تعمل قبل اتخاذك قرار المغادرة؟

- بالعكس اشتغلت فترة قصيرة ، تنقلت خلالها بين شركات كثيرة ، وكان هدفى الأساسى من وراء التنقل ، اكتساب خبرات متنوعة فى أقصر وقت ممكن ، اعتبرتها فرصة للتعلم.

* وكيف كانت بدايتك فى السعودية ؟


- لا أبالغ إذا قلت إن الأجواء كانت تحمل تحديات كبيرة، التحدى الأول كان ترك مصر والعمل فى بلد غريب علىَّ، والتحدى الثانى أننى كنت المصرى الوحيد فى الشركة التى التحقت بها، ولكى أوضح أكثر ينبغى الاعتراف أن هناك انطباعًا عامًا عن المصريين وقتها بأنهم مصابون باللامبالاة الشديدة وعدم الجدية وافتقاد الاهتمام بالجودة، صورة المصرى كانت تتلخص فى أنه مجرد موظف يؤدى عمله وخلاص، فيما كانت المنافسة شرسة بين العاملين من مختلف الجنسيات لبنانيين وأردنيين وسوريين وهنود وباكستانيين وسودانيين وأتراك وأمريكان..


لم يكن أمامى سوى سبيل واحد هو النجاح ، وعلى الرغم من البدايات الصعبة ، الحمد لله بفضل الإصرار والتحدى استطعنا أن نضع اسم الموظف المصرى فى مكانه الصحيح ، ومسحنا صورة الرجل المستهتر اللى جاى عشان يجمع فلوس ، وكمان مسحنا صورة الفهلوى الذى يعمل دون منهج أو علم ، خصوصًا أن التعليم المصرى فى تلك الفترة كان غير متضمن اللغات الأجنبية.. لذلك ضاعفت جهدى حتى إننى أحيانًا كنت أعمل ١٦ أو ١٧ ساعة متصلة يوميًا.


* ما عدد الموظفين الذين يخضعون لرئاستك فى المجموعة؟


- حوالى ٥ آلاف موظف فى ٢٧ شركة.

* من خلال تعاملاتك مع الجنسيات المختلفة.. كيف ترى العنصر البشرى العربى؟


- لو حصل العنصر البشرى العربى على الاهتمام الكافى إضافة إلى التعليم والتدريب الجيد سيكون الأفضل.. لن أقارن العربى بالأوروبى طبعًا ، لكنى سأقارنه بالأسويين مثلاً ، فهم يمتلكون نصف ذكاء العربى لكنهم يعملون بنظام شديد لذلك ينجحون ، أما العرب خصوصًا المصرى ، فهو ذكى بالفطرة ، لكن مشكلته أنه لا يستخدم ذكاءه فى تطوير عمله.


* ما النشاط الأساسى للمجموعة ؟

- قطاع النفط والغاز إضافة إلى قطاعات الكهرباء والاتصالات والإنشاءات.


* ألم تتأثر المجموعة بالانخفاض الكبير الذى طرأ على أسعار البترول؟


- لم يؤثر علينا بشكل مباشر ، لكن التأثير متوقع فى المستقبل القريب، ولدينا قناعة بأن هذا الأمر مؤقت وأن الأسعار ستعود إلى وضعها الطبيعى ، خصوصًا أن السعر الحالى غير منطقى ، لذلك لا نشعر بقلق على استثماراتنا.

* ما رأيك فيما توعد به الرئيس الأمريكى باراك أوباما أنه سيستغنى فى خطته المقبلة عن النفط العربى؟


- يصعب تحقيق هذا فى المستقبل القريب ، لأن البترول العربى لا يزال المصدر الرئيس لتلبية الاحتياجات العالمية من الطاقة ، ولا يجب أن ننسى أن أمريكا ليست المستهلك الوحيد فى العالم.. ومنذ فترات طويلة تطلق الإدارة الأمريكية تصريحات بأنها سوف تستعين ببدائل جديدة للنفط العربى، ولم تنجح، وأقرب دليل على ذلك الوقود الحيوى الذى أدى إلى انفجار أسعار الغذاء عالميًا بصورة جنونية.. وأستطيع الجزم بأن أمريكا لا تستطيع الاستغناء عن النفط العربى حاليًا.


* هل تتعاون المجموعة مع شركات عربية؟

- أكيد.. لدينا مشروعات فى الكويت وقطر وشراكة مع عمان إضافة إلى شركة مصرية متخصصة فى تقديم هندسة وسائل الحفر، ودخلنا فى شراكة مع عدد من الشركات المصرية لتنفيذ مشروع فى منطقة الخارجة.

* هل تعتبر نفسك وصلت إلى كل أحلامك أم أنك مازلت تحتفظ بطموحات تسعى إلى تحقيقها؟


- تجربتنا فى «روابى» مثمرة وناجحة، لكنى أعتبر أننا لا نزال فى بداية الطريق، وأطمح أن تصل المجموعة إلى المنافسة عالميًا مستندين إلى الطفرة التى حققناها فى السنوات الأخيرة.


* أليس فى خططك أن تنقل خبراتك وتجربتك إلى مصر لتؤسس فيها شركة على غرار ما فعلت فى السعودية؟

- هناك نقطة مهمة ينبغى أن أذكرها فى هذا الصدد، وهى أننى فى بداية عملى فى السعودية لقيت دعمًا غير عادى من القائمين على الشركة ورئيس مجلس إدارتها، هذا الرجل كانت عنده نظرة مستقبلية ودعمنى فى كل الأفكار التى قدمتها وكان مؤمنًا بها، لذلك أعتبر هذه المجموعة فردًا من أفراد أسرتى، والخمسة آلاف موظف جزءاً من عائلتى الكبيرة.. هذا الارتباط الشديد يجعل فكرة تأسيس كيان منافس لها مستحيلاً خصوصًا بعد ٢٠ سنة من العمل المتواصل.


* لم تحدثنا عن المعوقات التى تواجهها؟


- أستطيع القول إن الدول العربية متشابهة إلى حد كبير فى بيئات العمل، ولا فارق كبيراً فى معوقات العمل بين مصر والسعودية على سبيل المثال، وتتلخص فى البيروقراطية ونقص العنصر البشرى الفعال المتدرب وعدم وضوح الرؤية والأهداف والحافز.


* كيف ترى تأثر السعودية والدول العربية بشكل عام بالأزمة الاقتصادية العالمية؟


- أعتقد أن السعودية من أقل دول العالم تأثرًا بالأزمة، والأمر نفسه ينطبق على معظم الدول العربية.. ويصعب التكهن حاليًا بأوان انتهاء الأزمة، لكن التوقعات تشير إلى منتصف أو نهاية ٢٠١٠.

* ألم تجبركم الأزمة على تسريح العمالة مثلما حدث فى شركات غربية عملاقة؟


- هذا أمر غير وارد، ففى أصعب الأزمات التى مررنا بها لم نلجأ إلى هذا الخيار، لإيماننا أن العنصر البشرى أهم من أصول الشركة، ولابد من الحفاظ عليه مهما كانت الضغوط، والأفضل فى مثل هذه الحالة اللجوء إلى تخفيض تكلفة الإنتاج.


* ما النصيحة التى تقدمها للشباب فى بداية حياته العملية؟


- «لابد أن تزرع أولاً لكى تحصد».. أقصد أنه لا يجب الاستعجال، ولابد أن تمر الأمور بخطواتها الطبيعية، المجهود أولاً والاهتمام بالجودة أولاً ليأتى الحصاد الجيد.. النصيحة الثانية هى «المشى خير من الوثب» فمن يقفز يعرض نفسه دومًا للسقوط، الحماس مطلوب لكنه يتحول فى كثير من الأحيان إلى تهور.. النصيحة الأخيرة هى «الجودة» فهى مشكلة رئيسية فى العامل العربى والمصرى على وجه الخصوص، وغياب النظرة المستقبلية فى أدائه، فهو يعمل حسب منطق «احيينى النهارده وموتنى بكرة» وهذه حكمة الفاشلين.


المصدر : جريدة المصري اليوم